الجمعة، 1 مايو 2015

عوائق المثقف الديني


1ـ السلطة:

السلطة هي إحدى العوائق الرئيسة أمام أيّ مثقف، وبالخصوص المثقف الديني، الذي توصمه السلطة بالإرهاب تارة، وأخرى بالطائفية وإثارة القلاقل، وتفكيك الوحدة الوطنية والمجتمعية، وبالتالي تعامله السلطة بوصفه عدواً محتملاً ورئيسياً، ولذا فإنها تقف عائقاً أمامه، وتحول دون تأديته لرسالته الإعلامية ومسؤوليته الشرعية، وهذا يعني أنّها تسعى دوماً لمصادرة حريته بشكل واضح.
وحرية المثقف إشكالية معقدة في إعلامنا العربي، وقد يستغرق الأمر سنوات طويلة، قبل أن تتحقق للمثقف حرية كاملة، غير محددة بحدود أو بخطوط حمراء، يتوقف أمامها، ولا يستطيع الحراك، بسبب السلطة أنى كانت، وأين توجهت وتموقعت؟
ولا غرابة إذا صحت مقولة أحد الأدباء العرب، (إن هامش الحرية المفتوح أمام كلّ المثقفين العرب لا يكفي مثقفاً واحداً)، فالسلطة لا تعطي الفرصة لأيّ مثقف ليبدي رأيه في حوادث ساخنة تهم الشأن العام.
وفي وسط الأطر الأخرى ـ سواء كانت حزبية أو فئوية أو حركية ـ نجد المعاناة ذاتها، حيث يعيش المثقف الأزمة ذاتها، بفارق أنّ السلطة تمتلك أدوات أكثر فاعلية من تلك الأطر والمؤسسات.
ومشكلة حرية المثقف تقع في بعدين: من جانب السلطة التي تريد دائماً إسكات الأصوات المزعجة في إطار الثقافة والسياسة، ومن جهة المثقف الذي يحاول الابتعاد والفرار من مشاكل قاسية نتيجة ممارسته لحريته في ظلّ أجواء القمع، وفي حال تمرده على الواقع فإنّ ذلك يستتبع أن يعيش أزمة أمنية لا تنتهي، ويشمل ذلك حياته بكلّ أبعادها، فلذلك يتخلى عن حريته، مقابل أن يبقى على قيد الحياة، ويمارس التفكير بصوت منخفض.
وإذا كنا نطالب الساسة وأصحاب القرار في وطننا الإسلامي بفتح الطريق لحرية المثقف، فإنّ ذلك لا يعني أن يبقى المثقف فاقداً لأهم مكوناته الثقافية وهي الجرأة للوقوف مع الحق، والتمرد ضد الباطل المترسِّخ في مجتمعاتنا، لأنّ الخضوع والاستكانة يفقدان المثقف دوره الحقيقي.
ولا يعني ذلك أن يتمرد المثقف على سلطة الدين الواضحة، والمنطق السليم، فالمثقف يتحرك عبر قناعاته وليس عبر أدوات الضغط أو التهديد، أو الأهواء والمزاج.

2ـ امتزاج السياسي بالثقافي:

إشكالية السياسي/ الثقافي جدلية عتيدة في وطننا الإسلامي ولا أتصور أن يكون لها نهاية قريبة في المستقبل المنظور؛ لأنّ اختلاف أهداف كلّ واحد منهما يساهم في إبقاء هذه الإشكالية ويعقِّدها، فالسياسي عينه على السلطة، والمثقف هدفه الإصلاح والتغيير، ولذلك فإنّهما يختلفان بشكل دائم.
الساسة لا يخسرون وإذا فشلوا فهم تجار ناجحون يشترون ويبيعون في «البازار» السياسي، ولذا ولا غرابة أن نشاهد أن التاجر والفلاح والتقني يخسر في حياته المعيشية، باستثناء السياسي الذي إذا خسر في السياسة فإنّ الناس يكونون هم كبش الفداء، وهو لا يخسر أيّ شيء.
وذلك لأنّ لديهم استعداداً لتغيير المواقف والجبهات وفي بعض الأحيان لديهم القدرة على تزوير التاريخ، كلّ ذلك من أجل الحصول على مكاسب أكثر.
أما المثقفون ـ دعاة الإصلاح والتغيير ـ فالخسارة لا تشكل لهم في منظورهم الفكري أيّ صدمة تدفعهم نحو تبديل مفاهيمهم الثابتة وبالخصوص إذا كانت ثقافتهم قائمة على أسس متينة مستمدة من تعاليم الإسلام، ومنهج أهل البيت (عليهم السلام).
وإذا كان المثقف ينأى عن استجداء أصحاب القوة واستخدام الوسائل غير المشروعة، فإنّ السياسي مؤهل أكثر من غيره لخوض الحروب الخسيسة بالوكالة والنيابة والمباشرة، فهو يتذرّع بمنطق القوة ويتمترس تحت شعار المصلحة الوطنية وخدمة الأمة لكي يحقق أغراضه المختلفة، التي تصبّ في موقع الذات فقط.
السياسي سواء كان في المعارضة أو السلطة فهو يدافع عن المصالح والمنافع، فإذا كان في المعارضة فلا يتذكر إلا عيوب السلطة وسلبياتها، وإذا أكل من قصعة السلطة، وأصبح من أتباع البلاط، راح يدبِّج المقالات لمدح السلطان (عدوه السابق)، بشكل يثير العجب.
أما المثقف فهو يدافع عن قناعاته وأفكاره التي تصبّ في الدفاع عن كرامة الأمة وهويتها الحضارية، سواء كان معارضاً أو في موقف الحياد، وإن كان طبعه الدائم هو التمرّد على كلّ سلطة، ولا يمدح أيّ سلطة، وإذا فعل شيئاً من هذا القبيل، فإنّه بالتأكيد يسعى لإحقاق الحق، وإلا سوف يخرج من خانة المثقفين إلى خانة الساسة. وضمان ذلك رسالة المثقف التي تفرض عليه قيوداً كثيرة أهمها الالتزام الأخلاقي والتضحية بالذات في سبيل الآخر.
ولذا تلاحظ الفرق بين الساسة والمثقفين، فبين المثقف المسؤول والمثقف السلطوي بون شاسع لا يمكن نسيانه أو نكرانه، ولكنّ الأمر المهم في هذه المفارقة يكمن في قدرتنا على تمييز صفتي المسؤول والسلطوي، بحيث لا يستطيع السلطوي خداعنا تحت ستار المسؤولية، ولا يضيع المسؤول بسبب عدم تمييزنا لما يطرحه ويؤيده من أفكار وأطروحات ثقافية.
المثقف السلطوي هو الوجه الآخر للسياسي الانتهازي، وأغلب هؤلاء المثقفين يسكنهم هاجس السلطة بكلّ ما تعني الكلمة، ومعظمهم كانوا مشاريع سياسية فاشلة غير صالحة للأمة، وتحولوا بفعل الفشل الذريع الذي لحق بهم، إلى مشاريع ثقافية تعبيراً عن رغبة ذاتية لا يمكن تجاوزها.
حيث يسعى هذا النوع الممزوج بالثقافة/ السياسة الانتهازية، إلى احتلال الواجهات بوصفه هدفاً أساسياً، وعلى المذبح يقدم كلّ ما لديه للآخر القوي خدمةً ليس لمن يدعي تمثيله، بل من أجل الوصول إلى درجة التمثيل، وهذا هو الخطر الأكبر الذي يهدد الثقافة من هؤلاء.
في حين يُقصى دور المثقف المسؤول، ويحجَّم كي لا يستطيع أن يقدم موقفه الفاعل والمسؤول، والقادر على توجيه الساحة، نحو الجادة الصحيحة، ولكنّ ذلك لا ينفي المسؤولية الكاملة عن المثقف، في محاولته للتخلص من هذا الطوق المضروب حوله، وهنا يكمن خطر امتزاج السياسي بالثقافي، حيث يضيع المثقف المسؤول بسبب السياسي الانتهازي المتسلل إلى الساحة بعناوين ثقافية، والمطلوب بالتأكيد عكس ما يحدث.

3ـ الحاجة والواقع:

يعيش المثقف أزمة حادة في هذا المشكل، فهو يتأرجح بين حاجته الاقتصادية والمعيشية، وبين واقع المجتمع الذي يريد أن ينتقده لكي ينتشله من موقع التخلف، وبهذا يصبح على عاتق المثقف الديني مسؤولية شرعية وإنسانية ليست بقليلة، في حين أنه في الوقت ذاته يريد أن يعيش على الأقل في مستوًى معيشي متوسط، وليس في رفاهية رفيعة المستوى، ولكنّه قد لا يستطيع أن يحصل حتى على الحياة الاقتصادية بشكل متوسط، والسبب أنّ هناك حصاراً لا يخفى على المتتبع!
السبب أنَّ المثقف الديني متدين أو ملتزم بمنهج لا يحبِّذه أصحاب القرار في العالم اليوم، وبالتالي لا مجال له لكي يكتب أو يعبِّر عن رأيه، خوفاً من أن يخرق الحجب الخفية، وفضح المتنفذين والفاسدين، وتوعية المجتمع بأخطار الظلم، وتوجيههم نحو قيم الحرية والعدل والحياة الكريمة.
ولذا فإنّهم يحاربون وصول الإسلاميين إلى الإعلام العالمي، وإذا وُجد من يكتب فلابد أن يلتزم بشروط النشر التي يحددها أولئك المتنفذون، ومع ذلك يمنع أن يطرق الأبواب الخفية، والذات المقدسة لأولئك!!، ويكون تحت الرقابة الدقيقة من قبل أجهزة الأمن، وذلك لكي يتصيدوا أخطاءه، ومن ثم يحاسبوه عليها، وبالتالي فإنّه يعاني الأمرَّين.
ولذا لا عجب أن تشاهد الكثير من المثقفين الإسلاميين يتخلون عن التبشير بالإعلام الإسلامي، سواء بعدم التبني للفكر ونشره، أو عبر الانسحاب من الساحة بالتخلي عن المشاركة في إدارة الإعلام الإسلامي، والسبب هو الحصار، ولا يخفى أنّ أغلب الوسائل الإعلامية في العالم وبالخصوص العالم العربي تحت سيطرة السلطة أو فئات حزبية، علمانية أو يسارية التوجه، وهذه لا يروقها الاتجاه الديني.
وبالرغم من أنّ هذا الحصار لا يعني أنّه حقّق فائدته، والشاهد على ذلك هو تواجد الإسلاميين في عواصم إعلامية عالمية، وهذا ما جعل الحصار عديم الجدوى، ولكن يبقى الحصار في العالم العربي، وبعض البلدان الإسلامية، وحتى في بعض الدول الغربية، حيث يحاولون إفقار المثقف الإسلامي، وإبعاده عن الساحة.

4ـ المسؤولية/ الوعظ:

تبرز إشكالية مهمة اليوم في الوسط الإسلامي النخبوي وتتحدَّد في جدلية المثقف/ المسؤولية، حيث يتصوّر البعض أنّ دور المثقف الإسلامي يجب تطويره نحو موضوعية أكثر بحيث يتجاوز الإطار الوعظي المجرّد الذي سُجن فيه أثناء الفترة الزمنية الماضية؛ فاكتسبت الكتابات الإسلامية طابع التوجيه والوعظ أكثر مما حاولت التحاور مع الآخر، وفي بعض الأحيان سعت إلى إلغائه بدلاً من التفاهم معه.
ونتيجةً للون المؤدلج الذي طبع الخطاب الإسلامي تعرّض لحملات نقد عديدة وبعضها يمكن تصنيفه في جانب الصواب وليس في جبهة التآمر التي أضحت تُهماً تلصق بالباحثين في الفكر الإسلامي من خارج الدائرة.
وتحت شعار القطيعة والتواصل مع الآخر ترسَّخت هذه الإشكالية في ثنايا خطابنا الديني، فهل نكتب لأنفسنا، لكي نقرأ ما نكتبه؟! أم أننا نقوم بالتواصل مع ثقافة أخرى ونتحاور معها مع التأكيد على نفي الصراع بين الحضارات برغم اختلافها وتنوّعها؟ وهذه دعوة للاستفادة من هذا التنوع والاختلاف عبر التواصل لكي نستطيع صياغة خطاب إسلامي أكثر دقة وموضوعية ناتج عن الحوار مع الآخر وليس من القطيعة التي تحرمنا من الفوائد التي تكتنف ثقافة الآخر..
في حين يتغافل هؤلاء أن ليس هناك من يقف ضد التواصل مع الآخر إذا كان ذلك بحدود وضوابط بحيث يتحوّل هذا التقاطع إلى انفتاح رشيد ويواكب العصر الذي نعيشه، أما إذا تحوّل هذا التعاطي إلى تواصل مفتوح لا يقف أمامه حاجز أو ضابطة فإنّنا لا يمكن إزاءه إلا تصنيفه ضمن الاستلاب؛ لأنّه يفقدنا خصوصيتنا الذاتية، ولا فرق بينه وبين دعوات التغريب التي شهدها العالم الإسلامي في الثلاثينات من هذا القرن، ونعتقد ـ خلاف ما يحاول البعض ترويجه حول وعظية الخطاب ـ بأنّ للمثقف دوره الكبير في هداية الناس ووعظهم وإرشادهم، ونرى أنّ الإنسان هو المسؤول عن تاريخه وواقعه ومستقبله لأنّه القادر على التغيير والتبديل بتحمله للمسؤولية، والمثقف يدخل ضمن هذا الإطار.
ومنطق الهداية والإرشاد هو الإطار المعرفي للإسلام، وهذا يتبين لنا من خلال القرآن الكريم الذي يعزِّز دور الهداية في أكثر من موقع حتى نجد أنّ الهداية هي المركز في هذا الكتاب المقدس..
﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِين[1].
﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[2].
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ[3].
إنّ الهدى الإلهي الذي نلقاه في نداء الوحي هو الذي يفرض المسؤولية ويجعل من صبغ المثقف برداء المسؤولية والعطاء شيئاً لا مناص منه، ومهما حاول البعض التخلي عن ذلك وتبرير هذا المنحى كي يحلِّق بعيداً في عالم الأفكار مع الآخرين فإنّ ذلك لن يغيّر من الحقيقة شيئاً.

5ـ الانفتاح والانغلاق:

الانفتاح والانغلاق من الإشكاليات الكبرى وهي إحدى العوائق أمام المثقف الديني، فهل يحقّ له الانفتاح على ثقافات الآخر الكوني، أم ينغلق على ذاته، مكتفياً بثقافته الإسلامية الغنية، والتي تشمل القرآن والسنة الشريفة.
وبلا شك إنّ للانغلاق سلبيات، وللانفتاح سلبيات أكثر، الانغلاق يؤدي إلى الجهل والتخلف، والانفتاح قد يؤدي للاستلاب و«بين الاستلاب والانفتاح فرق كبير لا يمكننا تغافله أو عدم مشاهدته؛ لأنّه شيء منظور لكلّ متأمل في الظاهرتين، ومهما حاول البعض خلطهما سوف يكتشف المتتبّع بدقة حقيقة هذا الفرق فوضوحهما يقصِّر مسافة البحث الطويل عند البعض الأخر لاكتشاف حقيقة هذا الفرق وهذا المفهوم.
فالاستلاب يعني الانهزام أمام الآخر ومحاكاته وتقليده والتماهي معه على حساب الذات، تحت ذرائع شتى تبرِّر هذا النزوح، بينما الانفتاح يعني أمراً آخر بعيداً من الانسلاخ والتخلي عن الذات والأنا مقابل الآخر، حيث ينحو تجاه الاستفادة من معطيات الجمعي ومكتسبات الآخر الموضوعية مع الحفاظ على الخصوصية المحلية والثوابت الدينية التي لا يمكن التنازل عنها لصالح الكونية المستهدفة استلابنا وسلخنا من الجذور.
وقد تكون إشكالية الانفتاح/ الاستلاب من الإشكاليات المزمنة في تاريخ الفكر العربي باعتبارها صعبة المعالجة لدى نخبة تعيش حالة الانبهار بالآخر، وفي ذات الوقت لا تبحث عن ذاتها وخصوصيتها في ظلّ تدفق الأفكار التي نشهدها طوال التاريخ.
فإذا كانت تيارات التغريب الثلاثة (العلماني - الليبرالي - الانتقائي)، دعت إلى مركزية الغرب، وراحت تعتبرها الكوني المثالي والنموذج لتحديث البنى الفكرية والاجتماعية في بلادنا، فإنّ التيارات اليسارية التي تبنَّّّّت الماركسية الكونية عاشت ذات الأزمة بفارق أنّها حملت شعار التحرّر من المركز الغربي إلا أنّها ـ ويا للأسف ـ وقعت في نفس الإشكالية: الذوبان في كونية أخرى لا تهتم بخصوصية مجتمعاتها.
وأصبحت الماركسية الأساس النظري لغالبية حركات التحرّر في الوطن العربي، وبرغم ادعائها أنّها حاولت الاهتمام بالخصوصية العربية في اعتناقها للماركسية إلا أنّها وقعت في قعر الأزمة عندما تخلّت عن ذاتها أمام الآخر، وأضحت كالنموذج الغربي المستلب بفوارق بسيطة لا غير».


هناك تعليق واحد: